السيد محمد حسين الطهراني
40
معرفة المعاد
تمتلك حقيقة الشفاعة ، والله سبحانه هو الشفيع والشافع ، بل هو شَفِيعُ الشَّافِعِينَ وَأشْفَعُ الشَّافِعِينَ . ومن المعلوم أنّ انطباق معنى الشفاعة على شؤون الأسباب والعلل الوجوديّة المتوسّطة واضح في جانب التكوين ، لأنّ هذه العلل والأسباب المتوسّطة - كالملائكة والأنواع المجرّدة وغيرها - تستمدّ من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى ، كالرحمة والإحياء والإماتة والرزق والعلم والقدرة وغيرها ، فتفيضها على هذه الماهيّات العدميّة المفتقرة ، مشيّدة عالم الإمكان بمثل هذه الطراوة والجمال ، وناهضة بعالم الصنع بمثل هذا الإبداع العجيب المحيّر . وقد ورد في القرآن الكريم : لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأرْضِ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إلَّا بِإذْنِهِ . « 1 » وورد أيضاً : إ نَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ في سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إلَّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ . « 2 » وتبيّن هذه الآيات في ظاهرها الشفاعة في التكوين ، إذ إنّ الشفاعة التكوينيّة - كما ذُكر سابقاً - هي عبارة عن توسّط العلل والأسباب بين الذات الإلهيّة المقدّسة وبين المسبّبات والموجودات الخارجيّة في تدبير وجودها وتنظيمه ، وفي بقائها ودوامها في عالم الخلقة . الشفاعة التشريعيّة أمّا في الجانب التشريعيّ فإنّ الله تبارك وتعالى في علوّه وسُمُوّه قد تفضّل على عالم الإنسان الترابيّ الذليل بإرسال الأنبياء وإنزال الكتب
--> ( 1 ) - الآية 255 ، من السورة 2 : البقرة . ( 2 ) - الآية 3 ، من السورة 10 : يونس .